بحث في الموقع : رباط الكتب
مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه  
حوار (عدد مزدوج 7-8)
طبع المقال
حوار مع عبد الله ساعف
جواد النوحي | عمر الشرقاوي

عبد الله ساعف أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط. ولد في القنيطرة في 19 شتنبر 1949. حاصل على الدكتوراه في القانون العام من جامعة باريس 2 سنة 1979، وعلى الإجازة في الفلسفة من جامعة السربون ( باريس 4). تولى مهمة عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية من 1996 إلى 1998. كان عضوا قياديا في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وشغل خلال فترة حكومة عبد الرحمان اليوسفي (1998-2002) مهام وزير التربية الوطنية. يترأس الجمعية المغربية للعلوم السياسية بالمغرب، ويدير مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، والمجلة المغربية للعلوم الاجتماعية أبحاث، ويشرف على التقرير الاستراتيجي السنوي و منذ سنة 2000 يشغل مهام رئيس المنتدى الوطني للعمل الجمعوي الذي أصبح منذ 2005 المنتدى المدني الديمقراطي المغربي.

سؤال: كان المغرب موضوعا لأطروحات نظرية مختلفة تتراوح بين الأطروحات الانقسامية، الصراع الطبقي، السلطوية والتحديث السياسي، كيف تقيمون الأستاذ ساعف هذه المقاربات خصوصا وأنتم تتحدثون في كتابكم أحاديث في السياسية المغربية أن هذه الأطروحات والاستخلاصات لازالت طاغية على البحث الأكاديمي؟ و أين يمكن تصنيف كتاباتكم ضمن هذا التراث النظري؟

عبد الله ساعف: منذ البداية يجب الإقرار أن هذه الكتابات لازالت مهيمنة على حقل العلوم الاجتماعية، ومنها علم السياسة، وإن بدرجات متفاوتة عن السابق. في جميع الأحوال ما زال هناك آثار قوية لهذه الأطروحات وإعادة إنتاجها من طرف الباحثين، فأطروحات من قبيل أعمال ريمي لوفو وجون واتربوري وأطروحات أولئك الذين اهتموا بالنظام السياسي المغربي من الزاوية المؤسساتية والقانونية والحقوقية أطرت العديد من الكتابات في الحقل السياسي. بشكل عام كان جيل بكامله من الكتابات يعيد نفس الأطروحات الأم التي انشغلت بكيفية سير نظام سياسي يغلب عليه الطابع التقليدي. ففي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي لم يكن لنا إلا أن نسجل هذا الواقع عبر ما يكتب حول المغرب السياسي من كتب خارج وداخل الجامعة، وبالطبع نتحدث هنا عن "الكتب الجيدة" التي لها بعد علمي. لكن بحكم الوقائع، وبحكم التطورات التي سجلت في الواقع، لوحظ بعد هذه المرحلة الأولى أن هناك تغير في التعاطي مع هذا الجيل الأول من الكتابات. فهذه الأطروحات لم تختف كليا، بل بقيت حاضرة في التحليل. ولكن لم يعد الباحثون يحيلون عليها بطريقة أوتوماتيكية كما كانوا يحيلون عليها في السابق، فلقد أصبحت الآن قريبة بعيدة. إن الأشياء تغيرت، فوقائع ما بعد السبعينا [من القرن الماضي] فرضت نوعا من التحول. مؤشرات عدة تبين ذلك: هناك أولا التطورات داخل المجتمع بشكل عام والمجتمع السياسي بشكل خاص. ثانيا، حدوث وقائع كبرى، منها حالة الاستثناء ونهايتها، المحاولتان الانقلابيتان، تطورات ملف الصحراء، وما سمي بإرهاصات "الانتقال الديمقراطي"، أجيال الهجرة المتعاقبة، وتطورات المحيط الإقليمي، والتجمع الأوربي، والتناقضات مع الجوار التقليدي القريب.

كما أن نزعات داخلية قوية عرفت تغييرات كنزعات العالم القروي، وغلبة المدينة، واختفاء الوجوه القديمة للقوى الاجتماعية من أمثال القبلية، والوجوه الجديدة لما كنا نسميه الطبقة العاملة، وبروز قضايا لم تكن واردة كالحاجيات الأساسية للطبقات الوسطى من تعليم وصحة وتشغيل وسكن. هذه الأشياء كلها كسرت استمراريات الأطروحات الميكانيكية حول الجمود والنسقية والانشطارية. وقائع كثيرة حصلت، وخلق ذلك قطيعة مع ما كان سائدا خلال المرحلة السابقة. كتاب واتربوري وهو كتاب ظهر في السبعينات تنبأ مستقبلا لهذه المرحلة، واعتبر أن النمو الديموغرافي والتعقيد الاجتماعي لن يترك الأشياء كما كانت لكنه لم يكن بإمكانه التعمق في ذلك. مما جعل الجيل الثاني من الباحثين متأثرا أكثر بهذه الوقائع، فسُجِّل انتقال من تحليل القوى العميقة والنزاعات العميقة والبنيات الأساسية إلى تحليل الأحداث الجارية. انتقلنا إلى التعرض للأشياء التي تتغير بسرعة. انطلاقا من ذلك أصبح الاهتمام بما يجري في الاقتصاد، الذي انعكس على التحليل في علم السياسة. ومنذ نهاية الثمانينات تأثر هذا التحليل بنموذج تحليل الظرفيات الاقتصادية.

كان الفهم السائد للسياسة يقدمها كحركة محدودة في الزمن، متأثرة باستحقاقات جد متباعدة (أطروحة الجمود الشمولي أو الجمود النسبي). وفي تطور علم السياسة الذي موضوعه المغرب سُجِّل اهتمام قوي للكتابات السياسية خلال المرحلة الثالثة بموضوعات الشهادات والسير الذاتية والوقائع المؤرخة المرتبطة بمراحل محدودة، بالخصوص بما سمي "بسنوات الرصاص" و"الاعتقال التعسفي". هذا التغيير الذي وقع بالنسبة للجيل الأول للكتابات فرض على باحثي الجيل الثاني والثالث التعامل مع هذه الكتابات بانتقادها وتجاوزها، وأن يتم القبول بها والوعي بأهميتها، ثم أخذ مسافة معها، ذلك أن الميدان غني بالوقائع. يجب التذكير أن هذه المرحلة تميزت بجدل حول طريقة جمع الوقائع، هل عن الطريقة المونوغرافية أم الطريقة النوعية.

وفق هذا التحليل يمكن تصنيف الكتابات التي تواترت على دراسة المغرب إلى ثلاث موجات كبرى: الموجة الأولى كان هناك انتباه إلى الأطروحات النواة وهي مهمة، خاصة عندما نضيف إليها كتلة كتابات علم الاجتماع الاستعماري. وخلال الموجة الثانية، برزت كتابات وسطية ميزها التأثر إلى حد ما بالموجة الأولى، والاتجاه نحو محاولة استيعاب الوقائع الكبرى التي طبعت الواقع المغربي منذ السبعينات. بالنسبة لي في الأول كان هناك الانتقال من الأطروحات الأولى، المجسدة في كتابات لوفو، واتربوري، وبالازولي. استمرت هذه المرحلة مدة طويلة وتضمنت وقائع كبرى خلخلت هذه البنية، لكننا لم نستوعبها بما فيه الكفاية في المرحلة الثانية، بحيث ساد سؤال التقليد والتحديث، التحديث السلطوي. خلال الموجة الثالثة، كان المميز الجديد للكتابات العلمية حول السياسة هو الاهتمام بقضية الانتقال الديمقراطي. هناك خطر انجذاب نحو مقولات غير مؤسسة حاولت أن لا أسقط فيه، ولا أعلم هل نجحت في ذلك. هناك من كان يتحدث عن الاستبداد الجديد، وآخرون عن الديمقراطية. الجوهر في التحليل يكمن في طرح سؤال، كيف يمكن أن نأخذ مسافة مع إيديولوجية "الانتقال الديمقراطي" ، وأن نتبنى موقفا علميا تجاه الحاكم والمحكومين، حتى عندما نفترض أن لهم "نيات حسنة".

سؤال: في سياق هذه التطور في الكتابات التي تناولت الحقل السياسي المغربي، ماذا عن كتابات عبد الله ساعف؟ وكيف تفاعلت مع هذه الأطروحات التي ذكرتها؟

عبد الله ساعف: أولا يجب احترم هذه الأطروحات القديمة واستيعابها وتقييمها ووضعها في المكان اللائق بها. كما كان ضروريا الانتقال إلى تحليل الواقع الذي يتغير والتقاطه بشكل مناسب. جاءت محطة بدأ فيها الابتعاد عن التنظير، فمهما كان هناك شعور بأن تضخم التنظيم يعرقل، كما أنه كان من الواجب الابتعاد عن الأجوبة التي تتأسس على ثنائية الأبيض والأسود الإيجابي والسلبي، أمام واقع يزداد تعقيدا. بعد ذلك وقع حدث كبير تجلى في البروز بقوة لإشكالية ما سمي بالانتقال الديمقراطي. الحقل السياسي بكامله أصبح يتحرك، انتابته حمى، واشتغلت دينامية "الصحافة المستقلة" من جرائد يومية، وأسبوعيات، ومنشورات مختلفة. فالحقل العلمي الذي تأثر بهذا المجال هو علم السياسة. فالملاحظ أنه أصبح تدخل علم السياسة بدون التهيئ النظري الضروري والإعداد المفاهيمي المناسب. في ظل هذا الواقع، تأكدت صعوبة ممارسة علم السياسة حتى ولو أنجزت بعض الأعمال الجيدة التي تأثرت بظروف المرحلة، وتبدو الحلقة الأساسية في ذلك المرور من ملك إلى ملك، والمرور من سنوات الرصاص إلى مرحلة الانفتاح في نهاية عهد الحسن الثاني. مع هذا التحول يمكن القول إن التوجه الديمقراطي الذي كان يتم الحديث عنه يفرض صيغة منهجية للمقاربة وللتحليل من زوايا علم السياسة في المغرب، بما يتطلبه ذلك من احتياطات، ومقاربات، وزوايا وآليات. سأرجع إلى نقطة أساسية، تتعلق بحركية الفاعل الأساسية. فخلال المحطة الأخيرة التي تحدث عنها لم يكن التعرض للانتقال الديمقراطي بشكل موضوعي. ففي الواقع ثنايا وأعماق المجتمع كانت تتفاعل، ترتعش عبر هذه الإشكالية. بحيث يمكن القول إنه من الصعب الحياد.

في سياق هذا الاهتمام أطلقنا نحن مجموعة من الباحثين مشروع دراسي حول "الانتقالات الديمقراطية المقارنة"، سنة 2000 في مركز الدراسات والأبحاث للعلوم الاجتماعية. كان نشاط المركز يهدف إلى وضع مشروع يبتعد عن المباشر والظرفي عبر مقارنة مع عدة تجارب: التجربة البرازيلية، الشيلية، الإسبانية، البرتغالية والبولونية، التركية، أوروبا الشرقية. لاحظنا بأن تمرين المقارنة يمارس بنفس نضالي، مقارنتنا كانت تختلف عن مقارباتهم. كنا نريد أن نفهم طبيعتها. كان هاجسنا وضع مقارنة صرفة، هل هناك انتقال ديمقراطي نموذجي أم تعدد للنماذج؟ هل نسير نحو الديمقراطية أم أن هناك استمرارية (وهنا العودة لأعمال جون واتربوري)؟ المناضلون كانوا يحلمون بالانتقال الديمقراطي، لكن البعض لا يتردد في تسميتها بالسلطوية، فمن بين التحليلات هناك من ذهب إلى التأكيد إلى، أنه ليس هناك انتقال ديمقراطي، وأن هناك صيرورة سلطوية جديدة. السلطوية الجديدة « néo- autoritarisme » هي زاوية منهجية جديدة في علم السياسة. إنها تعني أننا أمام نظام سياسي مراقِب، موجِّه. عندما نقول ليس هناك انتقال ديمقراطي، فذلك يعني تغير نحو شكل جديد للسلطوية.

سؤال: شكل الإصلاح ومداخله الرئيسية موضوعا أساسيا في كتابتك، فكيف تنظر إلى قضية الإصلاح، وما هي المداخل الرئيسية التي ترونها لتحقيق ذلك؟

عبد الله ساعف: علاقتي في البداية كباحث في حقل علم السياسة كانت تقوم على تقاطع بين أن تمارس السلطة وأن تمارس علم السياسة. فبعدما ارتبطت بالفاعل السياسي- المؤسساتي عبر انتماء منظم داخل حزب معين، اعتبرت أن ليس هناك تناقض مع السياسة، انبنت فكرتي على أنه لتعرف جيدا الظواهر السياسية يجب أن تقترب منها، بل أن تتعاطف مع الموضوع الذي تدرسه، يجب أن لا تكون بعيدا عن السياسة لا من ناحية المعرفة ولا من حيث الفعل، وأنه ليس هناك تناقض بين المعرفة والتأثير على الواقع. كان من الممكن أن نبقى نراقب الآخرين ونلتقط ملاحظات عنهم. ومنهجيا هذا الاتجاه العلمي لديه مشروعية. ومع ذلك كنت اشعر بشكل محرج بأني أمارس علم السياسة من أجل علم السياسة، كنت أشعر أنني معني بمسألة التغيير السياسي، لأن السياسة هي كذلك وسيلة للتغيير.

إن الحقل السياسي فيه أشياء يمكن أن تشتغل فيها، مثلا قضية المشاركة وتسييس المجتمع، إن ما هو مأمول هو أن تصبح السياسة طبيعية في مجتمعنا. إني أنظر بأنه تكتمل إنسانيتنا بتسيسنا، بتحملنا المسؤولية في المدينة والمسؤولية لا تعني حتى القيادة. هناك أشياء يجب أن تنجز في المجتمع، وهي تتجلى في ما يخدم سيرورة المواطنة، والدمقرطة، والمشاركة، وتعميم آليات تقييم الفاعلين... فأرى أنه ليس بعيدا عن علم السياسة المساهمة في تسييس المجتمع، في تطبيع العلاقات بين المجتمع بالسياسة لأن نوعا معينا من الاستبداد يبعد الناس عن السياسة. ذلك أن الاشتغال على "المشاركة"، وعلى "المجتمع المدني" لا يتناقض مع معرفة عالم السياسة التي هي معرفة السياسي، يتعين فقط اتخاذ الاحتياطات الضرورية.

المستوى الآخر هو المدخل للإصلاح. أسئلة عدة تطرح، هل هناك لحظات معينة للدخول في الإصلاح؟ ما هو الإصلاح الذي يتعين إتباعه؟ ما هو الإصلاح الممكن؟ هل هناك علم للإصلاح؟ فتاريخ علم السياسة قد يكون من زاوية معينة تاريخ فكر الإصلاح. فهذا العلم يعطيني صورة عن الإصلاح. فهذا الحقل هو الذي يؤسس لمعرفة الإصلاح. كذلك هناك تقييم الإصلاح، خاصة عندما نكون عشنا التجربة من الداخل، هل الشروط التي تم الدخول فيما سمي بتجربة "التناوب" في المغرب (1998-2002) تجعل الإصلاح ممكنا؟ أنا كنت خلال عقد السبعينات واضحا في موضوع عدم المشاركة، أذكر أن السيد عبد الواحد بلقزيز لما كان وزيرا للإعلام طلب مني في تلك الفترة أن أساعده في معهد الإعلام. قلت له بشكل واضح إن كان هناك درس في الفكر السياسي، فمرحبا، أما أن أتحمل مسؤولية إدارة معهد الصحافة فذلك أمر آخر واعتذرت عن ذلك. إن هذا النقاش ذو الطابع السريالي لفترة السبعينات تغير في التسعينات لأنه أصبحت معادلة أخرى هي التي تسود. فخلال هذه المرحلة أصبحنا نشعر بأننا مسؤولون مكان الآخر. إذا كان المستبد ضد التقدم، ولا يريد أن يقدم تنازلا، فليس أمامنا خيار آخر سوى المشاركة. نحن لم نكن راضين عن شروط المشاركة المتاحة. إذا كان الطرف الآخر غير مسؤول فنحن مسؤولون مكانه. نحن كنا نعرف أن هذه ليست الشروط الأمثل للإصلاح. ونترك الناس يقولون أننا انتهازيون لا نرغب إلا في الوصول إلى السلطة والاستفادة منها. هذا لا يهمنا، نحن واعون بحدود وعي المجتمع في هذه المرحلة. وبعد المشاركة، اتضح لي أنه من الضروري إدخال إصلاح مؤسساتي، وإعادة تحديد خريطة المسؤولية. فمن خلال تجربة المشاركة برز لي أن الأوضاع لا تتساوى، ليس هناك تشابه بين من وصل إلى هذه الخلاصة من داخل التجربة ومن عاشها من الخارج. فالمشاركة في السلطة تمكن من اختبار بنيات الإصلاح. هل البنيات قابلة لاستيعاب الجديد وتفكيك القديم؟ عموما، وقع تراجع في شتى المجالات. هذه إشكالات الإصلاح عشتها كباحث وممارس.

سؤال: هل أسست هذه الأفكار في كتابات قد تنشرها؟

عبد الله ساعف: لدي محاولات لتحليل العلاقة بين الحزبي والسياسي. وهي الآن مجمعة ومنظمة في كتيب يضم وثائق منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وفيما بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وكذا داخل الإطار الذي أنشط فيه الآن وهو المنتدى المدني الديمقراطي المغربي، وسوف تنشر قريبا.

سؤال:انطلاقا مما وصلت إليه من أفكار عن الإصلاح، ما هي المواصفات التي ترونها لتحقيق ا لمشروع الإصلاحي؟

عبد الله ساعف: يتعين أن نخرج من سجن الدوائر النخبوية، دوائر النخب السياسية قد توسعت اليوم. يجب أن تتعدد مراكز النقاش العام في الجمعيات والمنتديات ودور الثقافة ودور النشر والمجلات، بحيث لا يجب أن تتمركز هذه المراكز في نفس الدائرة الجغرافية والمجتمعية والثقافية، يتعين أن تتفرع إذن من المداخل الرئيسية لذلك، تعميم التسييس عبر خلق موجة التسييس العميق والواسع داخل المجتمع بإطلاق النقاش العام. ثانيا، تبني ملكية برلمانية، من خلال اعتماد خريطة مؤسساتية كلاسيكية، توزع سلطات بين الملك، الحكومة، البرلمان وسلطات أخرى، عبر المقاييس العالمية لما اتفق على تسميته بالنظام الديمقراطي. ثالثا: اقتصاد اشتراكية السوق، أي الاقتصاد غير المنفصل على اقتصاد العالم، ولكن في نفس الوقت يتبنى بشكل دال منطق العدالة الاجتماعية.

سؤال: في سياق آخر يبرز الأستاذ ساعف اهتمامكم بقضية السياسي والتكنوقراطي، فكيف تنظر للاتجاه المتنامي لدور التكنوقراط في الحقل السياسي المغربي؟

عبد الله ساعف: ما يمكن قوله هو إن السياسة في المجتمع المغربي تبدو غير منتشرة بشكل واسع. والملاحظ أن بعض المكونات الاجتماعية وعناصر المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية تملأ الفراغ. وهذا هو نموذج التكنوقراط أو نزعة الاندراج في الاعتقاد بأن التقنية من شأنها أن تحل جل مشاكلنا. إن هذا التحول نحو ارتفاع تأثير التكنوقراط، يمكن إرجاعه إلى عاملين أساسين، التسييس غير المكتمل لمجتمعنا، وثانيا، ضعف الأداء السياسي لمحترفي السياسة في الشروط الحالية.

سؤال: في موضوع آخر مرتبط بالكتابات في علم السياسة في المغرب، يبرز أن الاهتمام بتحليل النظام السياسي من زاوية الاقتصاد السياسي يظل ضعيفا، كيف تنظر إلى ذلك في ظل واقع يشهد ازدياد تأثير الاقتصاد، وتطور مشاركة الفاعلين الاقتصاديين في اتخاذ القرار السياسي والتأثير عليه؟

عبد الله ساعف: لا يمكن القول إن هناك ضعف اهتمام الكتابات بتحليل النظام السياسي على أساس الاقتصاد السياسي. العديد من الكتابات تناولت قراءة النظام السياسي من هذه الزاوية. يشهد على ذلك كل ما كتب حول برنامج التقويم الهيكلي، لقد غذى الاقتصاد السياسي قراءات كثيرة للنظام السياسي المغربي. حاليا مع ندرة الموارد، أصبح من مجالات اهتمام السياسة تحليل طبيعة أنماط منح الموارد، وتوزيع الموارد خلال المرحلة الحالية، إن السياسة كما أكدت على ذلك مرارا النظرية السياسية ليست إلا شكلا معرفيا يهتم بمسألة توزيع الموارد. كمثال لذلك يخلص ريمي لوفو في دراسة حول تمويل الملكية المغربية إلى أنه عندما تشح الموارد المالية تنصرف السلطة السياسية إلى مهمة توزيع موارد رمزية المواقع ، وتخلق المؤسسات الضرورية لذلك. إذن قضية الموارد هي بدورها إشكال، فكيف في وسط ارتفعت فيه نسب الفقر ب %20 يتفاعل النظام السياسي؟. كان يوجد دائما تيار مهم للاقتصاد السياسي، فمنذ الكتابات الأنجلوساكسونية حول المغرب كان مقترب الاقتصاد السياسي دائما حاضرا. ستجد بيبليوغرافيا ثقيلة في هذا المجال. ما هو مهم لنا في المرحلة الحالية هو ضرورة الاهتمام بالترابطات Les corrélations بين المؤشرات الاقتصادية والمؤشرات السياسة. هناك كتابات في إطار الاقتصاد السياسي لمرحلة التقويم الهيكلي، لكن ما لم تضطلع بتحليل التجاذبات مع السياسي، ماذا يعني تطور الليبرالية الاقتصادية بالنسبة للنظام السياسي؟ المجموعات الكبرى ماذا تشكل بالنسبة للأوليغاريشية السياسية؟ هذا ما يمكن الاشتغال عليه حاليا. إن ما يجب حاليا الاشتغال عليه هو الترابط بين التركيبة الاجتماعية، والاحتكارات، والتشكل الطبقي والفئوي، وتطور الرأسمال، والمجموعات الكبرى الصغرى والمتوسطة، والاستثمارات الداخلية والخارجية، والقطاع الخاص والقطاع العام، والخوصصة ودورها السياسي. مثلا لماذا القطاع الخاص ليس قطاعا حقيقيا؟ هذا يتعين أن تشمله موجة أخرى للبحث.

سؤال: لا شك أن طرح تحليل النظام السياسي يرتبط بما يقع من تحول في المجتمع، فكيف تقرأ طبيعة الاحتجاجات التي حدثت في بعض المدن، صفرو وسيدي افني؟ وهل يمكن إعطاء بعض نظري لذلك؟

عبد الله ساعف: تناولنا أحداث صفرو وإيفني وغيرها في ملف خاص في جريدة مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية دفاتر سياسية. وتبين من خلال ذلك أن لكل واحد من تلك الاحتجاجات واقعه وعالمه الخاص. لتفسير هذه الفكرة أكثر أحيل على نموذج حركة عبد الكريم الخطابي بالريف، حيث انطلقت ثورته من فرع في قبيلته، إلى الفروع الأقرب لتمتد عبر القبيلة كلها، ثم في ما بعد إلى حلفائها المرتبطين بها، إلى أن بدأ الحديث عن المنظومة المؤسساتية الريفية. غير أنه يلاحظ أنه بقدر ما كان يبتعد عن النواة الصلبة التي هي قبيلته الأصل، وبالضبط الفرع الذي ينتمي إليه، بقدر ما تضعف قدرة حركته. أستحضر هذا النموذج قصد محاولة تبيان أن الحقل الاجتماعي متعدد المكونات والمفاصيل والخرائط الاجتماعية وهو جد معقد بالإضافة إلى فئاته المختلفة من عمال وفلاحين وعاطلين ومهمشين. وكل هذه الفئات مجزأة ويصعب الجمع بينها. إن فكرة العدوى "الانتفاضة" غير واردة في هذا السياق والاحتجاج المتدفق العارم قد يصعب تصوره عكس ما تدعي العديد من الأطروحات.

سؤال: في محور آخر، يلاحظ تزايد دور الصحافة، وبالخصوص ما يصطلح عليه بالصحافة المستقلة، فهل هناك تحول في خريطة الفاعلين؟

عبد الله ساعف: لا يمكن عزل تطور الصحافة عن الحركة العامة للمجتمع. تبدو جل المنابر كنوع من حركة معينة للرساميل، وكإعادة هيكلة للحقل الاقتصادي ما عدا بعض المبادرات الفردية، وهكذا تجد أن وراء هذا المنبر أو ذاك تقف مجموعة مالية، رأسمال معين. من هنا ستلاحظ ربط القضايا السياسية بالقضايا الاقتصادية والمالية. هناك تعبيرات عن مجموعة المصالح الاقتصادية لها مواقفها ولها آراءها في النظام السياسي. إن فكرة الصحافة المستقلة مستقلة بمفهوم أنها ليست مرتبطة بحزب معين، ليست تابعة للدولة، ولكنها غير مستقلة بالمعنى الكامل. فهناك قطب رأسمالي في قلب الجريدة، يؤخذ رأيه بعين الاعتبار، ولديه رأي في النظام السياسي، وفي الفاعلين السياسيين.

سؤال: في ارتباط بالصحافة، ألا ترون أن هناك اتساعا لتأثيرها على الباحثين، إلى حد أصبحت مادة رئيسية لهم، ومرجعا في أبحاثهم، فالعديد من الكتابات أصبحت تحيل إليها كمصدر في التحليل؟

عبد الله ساعف: يجب الحسم أنه ليس هناك بديل عن قراءة الكتب المرجعية، إذ يتعين على الباحث في علم السياسة القراءة بتأني، وأن يرجع للكلاسيكيات من أمثال كتابات أفلاطون، وأرسطو، وابن خلدون، ومكيافيلي، وطبعا المصنفات المتخصصة. وفي القراءة يجب التعامل مع الواقع. ماذا يجري فعلا في الميدان؟ كيف يتعامل الناس يوميا مع المؤسسات؟ أي يفترض تجاوز القراءات القانونية والمؤسساتية والتركيز على ما يقع في صلب المجتمع.

سؤال: تحدثتم عن الكتابات الماركسية، النيوباترومونيالية، الحكي عن السياسة، هل ستكتبون عن السياسات العمومية؟

عبد الله ساعف: لدي كتاب حول الانتقال السياسي سيصدر عما قريب.

بعض أبحاث عبد الله ساعف

- Ecrits marxistes sur le Maroc (1860 – 1925) k. Marx, F. Engels, R. Luxembourg, la 3éme internationale, éditions le contacté, Salé, 1986 (traduit aussi en arabe , Dar Toubkal, 1987).

- Images Politiques du Maroc, Okkad, Rabat, 1991.

- Savoir et politique au Maroc, SMER, Rabat, 1992.

- Feuillets sur la crise du golfe, Publication Abhath, Rabat, 1992.

- Le discours stratégique arabe. Constantes et variations. Cahiers du Lumiar. I.E.E.I, Lisbonne, 1994.

- Histoire d’Anh Ma, récite, ED. L’Harmattan, paris, 1995.

- La réforme du système de l’éducation et de l’enseignement, Editions «savoir pour tous », Rabat, 1998.

- Carnets de bus, Eddif, Casablanca, 1999.

- Maroc, l’Espérance de l’Etat Moderne Afrique Orient, Casablanca 1999.

- La transition au Maroc : l’Invitation, Eddif, Casablanca, 2001.

- Causeries sur la politique marocaine, Publication Azzaman, Rabat, 2002.

- Entretiens sur la réforme de l’enseignement, Rabat, 2002.

- Chroniques des jours de reflux, ED, l’Harmatttan ; Paris, 1993, traduction arabe , Darattakafa, Casablanca, 2002.

- Les enjeux du changement politique au Maroc, publications Dafatir siyassiya, Rabat, 2004.

جواد النوحي : باحث في العلوم السياسية
عمر الشرقاوي : باحث في العلوم السياسية

الرد على هذا المقال

الصفحة الرئيسية
تقديم
عدد مزدوج 7-8
حوار
بإيجاز
ورشات الكتابة
مترجمات
قراءات من الأرشيف
قراءات
جوائز
أطروحات
أمهات الكتب
أرشيف
العدد السادس
ملفات  | 
مترجمات  | 
بإيجاز  | 
قراءات  | 
كتاب وحدث  | 
جوائز  | 
الدوريات  | 
العدد الخامس
حوار  | 
دراسات / مقالات  | 
ندوات  | 
أطروحات  | 
صفحات مختارة  | 
قراءات من الأرشيف  | 
العدد الرابع
ملفات بيبليوغرافية  | 
العدد الثالث
العدد الثاني
أخبار الكتاب  | 
العدد الأول
© 2007
Site réalisé par WEBDEV Technologies
Powered by Maroc Host