خلال سنوات 1996- 1998، أشرف المؤرخ التونسي عبد الحميد هنية على برنامج بحث مغاربي حول موضوع "المدن والمجالات الترابية ببلدان المغرب الكبير. أنماط التمفصُل وأشكال التمثُّل"، في إطار "معهد البحوث المغاربية المعاصرة". وتوج هذا البرنامج بندوة علمية موسعة عقدت بتونس في شتنبر 1998 في إطار شراكة بين المعهد السالف الذكر وبين جامعة تونس وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بنفس المدينة. وإثر ذلك تم انتقاء المساهمات التي تتصل بظاهرة الأعيان، وهكذا تشكل متن الكتاب الهام الذي نود تقديمه للقارئ.
يفتتح عبد الحميد هنية الكتاب بنص كثيف يتجاوز نطاق المقدمات المعتادة التي تمهد لمحتويات الكتب الجماعية، بحيث يضع الملف في إطار عدد من القضايا المتصلة بتاريخ التراتب الاجتماعي في بلدان المغرب الكبير. يقترح هنية إعادة طرح مسألة الأعيان، بشكل يتعارض مع الطرح السابق الذي كان يقوم على ثنائية الأعيان والنخبة. فمصطلح الأعيان، على غرار مصطلح "الخاصة"، كان يُنسب فيما قبل إلى الأنماط العتيقة في بناء النفوذ الاجتماعي، بينما تستعمل مصطلحات "النخبة" و"الزعامة" و"الشخصيات" في وصف الأشكال الحديثة التي ظهرت منذ مرحلة التجربة الاستعمارية. وبدل ذلك يقترح هنية إعادة الاعتبار لمفهوم الأعيان، خارج نطاق استعماله داخل المجتمعات المعنية، بحيث يعتبره مفهوما إجرائيا يساعد على فهم آليات تشكل السلطة في المستوى المحلي، كما أنه يساعد على تتبع عملية إعادة صياغة أشكال السلطة حسب التحولات التي عرفتها المجالات والسياقات والظرفيات.
ما هي أهم التحولات التي عرفتها فئة الأعيان وموقعها داخل أنساق السلطة؟ لقد تم اختيار منظور الزمن الطويل. بحيث تعود بنا مساهمة حسين الجعايدي إلى العصر الروماني القديم، حيث نتعرف على ظاهرة "سيد" الحاضرة Le patron de la cité، وموقعه بين المجتمع المحلي وسلطة الامبراطورية. وفي أقصى المراحل المتأخرة، تأتي المساهمة المشتركة لرفائيل كاتيدرا Raffaele Cattedraومريم كاتوس Myriam Cattusse، فتتناول دور القوى الاقتصادية الحديثة في إعادة هيكلة المجال الحضري لمدينة الدار البيضاء، وذلك من خلال رمزية "البرجين التوأمين" « Twin Center » اللذين يحيلان إلى النموذج النيويوركي الشهير، وقد تم إحداثهما بحي المعاريف في موقع يقابل مسجد الحسن الثاني، وهما يعبران عن مرجعية التوفيق بين الأصالة وأفق التحديث.
داخل هذا الزمن الطويل، هناك معيار مركزي لرصد التحولات، ويتعلق الأمر بقيام الدولة وتطور علاقتها مع القوى المحلية. ننطلق، حسب فرضية هنية، من مرحلة ما قبل الدولة، حيث النموذج المتعدد المراكز. ثم ننتقل إلى الدولة القائمة على علاقة الولاء L’Etat suzerain. وتبرز حقبة أواسط القرن التاسع عشر التي شهدت ظهور الدولة ذات السيادة L’Etat souverain، حيث انطلق مسلسل مركزة الدولة وبناء المجال الترابي، وفقدت المجموعات المحلية هامش استقلاليتها، وكان الانتقال من ظاهرة الشيخ إلى ظاهرة القائد. ثم نصل إلى مرحلة الاستعمار وما بعد الاستعمار، فتتراجع الفئة التقليدية للأعيان، وتبرز فئات جديدة.
تعبر جل مواد الملف عن اختيار الانطلاق من زاوية النفوذ المحلي، والتركيز لا على الوصف، بل على تحليل آليات إنتاج وإعادة إنتاج ظاهرة الأعيان، وتختلف أنواع النماذج التي تمت دراستها. فمن حيث نطاق الدراسة، هناك الأفراد والعائلات. ومن حيث أسس انتمائها إلى وسط الأعيان، هناك النفوذ الديني والسياسي والاقتصادي.
تبرز مواد الكتاب تنامي الاهتمام بتاريخ الأولياء والزوايا والوسط الديني بشكل عام. وقد سلطت الأضواء على الطريقة التي اتبعها هذا الوسط في بناء النفوذ المحلي وتدبير مختلف أشكال الوساطة مع الدولة المركزية.
تتعدد النماذج وتختلف في بيئتها المجالية. يتناول رحال بوبريك دور الأعيان الدينيين في المدينة داخل فضاء قائم على حياة الترحال، وذلك من خلال مثال ولاتة )بموريتانيا الحالية(. نلاحظ أن الأعيان الدينيين يتولون عدة وظائف، فهم يحسمون في الخلافات، ويوثقون العقود التجارية، ويتدخلون خارج المدينة لاسترجاع الممتلكات المنهوبة، ويقدمون النصح للجماعة، ويراقبون الأخلاق، ويصدرون الفتاوى. وتنقلنا ليلى بليلي إلى مدينة تونس، فتنطلق من بعض الفتاوى الواردة في معيار الونشريسي، وتدرس من خلال نموذج أبي عبد الله بن علي بن عمر التميمي المازري دور المفتي في التحكيم في الصراعات التي كانت تندلع خلال العصر الوسيط بين عائلات النخبة في شأن الزواج، حيث كان التوتر يُنذر أحيانا بانفجار العنف بسبب خلاف حول تحديد قيمة الصداق. ويعود موضوع الزواج من زاوية أخرى، حيث تناول عادل لطيفي استراتيجية المصاهرة في توسيع وصيانة نفوذ عائلة سيدي أحمد التليلي، حيث يميز الباحث بين أسلوب الزواج داخل العائلة وأسلوب المصاهرة مع عائلات من خارج سلالة الولي، ولكل أسلوب حيثياته وأهدافه.
كيف يقوم الولي أو الفقيه بتدبير لحظات الصراع الذي يقوم داخل المجتمع المحلي أو بين المجتمع المحلي والحكم المركزي؟ توظف نيلي سلامة العامري مجموعة من النصوص المنقبية، وتدرس بواسطتها أشكال استخدام سلاح الدعاء من طرف أولياء إفريقية على عهد الدولة الحفصية، وتتبع الفعالية الرمزية لدعاء الولي لهذا الطرف أو دعائه على ذاك، في بعض حالات الصراع، ومنها حالات تعرف المس بحق اللجوء إلى حرم الزاوية. ويتتبع حسين بوجرة أشكال تعامل الولي والفقيه مع الصراعات في ولايتي الجزائر وتونس خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، ونلاحظ أن هناك تنويعات وتدرجا في موقف الولي، بين المكوث داخل حدود النظام القائم، والذهاب إلى حد خلع علاقة البيعة.
نطرح الآن السؤال التالي : إلى أي حد استجاب الملف لطموحه إلى تغطية مختلف الحقب التاريخية سعيا وراء إدراك تطور ظاهرة الأعيان في المدى الطويل؟ بعد الدراسة التي ذكرت بجذور الظاهرة في التاريخ القديم، اقتصر استكشاف العصر الوسيط على حالتين في مساهمتي ليلى بليلي ونيلي عامري السالفتي الذكر. وفيما يخص العصر الحديث، تناول محمد المريمي حالة عائلة أسسها الولي إبراهيم الجُمني بجربة في أواخر القرن السابع عشر، وهي لا تنتمي في الأصل لهذه الجزيرة، وقد انتقلت إلى مرتبة الأعيان بفضل الدور الذي لعبته في إشاعة وتركيز المذهب المالكي بالمنطقة على حساب المذهب الإباضي، وذلك بمساعدة بايات تونس المراديين ثم الحسينيين، وفي سياق ربط المجموعات المحلية بالحكم المركزي.
وتبرز مساهمة عبد الحميد هنية في مستوى تحليل موقع الأعيان بتونس والانتقال من "الدولة القائمة على الولاء" إلى "الدولة ذات السيادة". وقد انطلق هنية من مسألة نظام الجباية لتلمس التطور الذي حصل بين النمط الأول والنمط الثاني. فقد اقتضى الأول الحفاظ على التوافق القائم بين البايلك وفئة الأشياخ، لذلك عمل هؤلاء على إفشال كل مبادرة تمس بأسس التوافق، وذلك ما وقع لمشروع سنتي 1726- 1727 القاضي بإحصاء الموارد المادية والبشرية للمجموعات، بغرض التعامل مع الأفراد دون المرور بوساطة المجموعات والأعيان المحليين. لقد فشل المشروع، لكنه أعلن عن الخطة التي سوف تنجح الدولة في تحقيقها خلال القرن التاسع عشر، حيث ساهمت السياسة الجبائية في مركزة السلطة.
حين ننتقل إلى مرحلة "الدولة ذات السيادة"، نلتقي بنموذجين من الأعيان الجدد في البادية التونسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث يقدم مصطفى التليلي أحمد بن يوسف الذي برز وسط قبيلة الهمامة، ويصف محمود التايب مسلسل ارتقاء محمد بن الواعر إلى قيادة قبيلة أولاد سعيد. وإلى جانب ذلك، نلاحظ حضور بعض النماذج المغربية التي تدعو إلى التحفظ إزاء الفرضية العامة التي اقترحها عبد الحميد هنية في مجال تحقيب ظاهرة الأعيان. فهي إما تؤشر إلى صعوبة إنجاز مركزة السلطة، مثلما يظهر من خلال انتفاضة مدينة فاس ضد السلطان سليمان خلال سنوات 1820- 1822 ، وهو حدث عاد إليه أحمد الشرعي من خلال مؤلفات المؤرخ أبي القاسم الزياني. وإما تؤشر إلى الحضور التدريجي لسياق الضغوط الأوربية المتعددة. فقد توقف محمد كنبيب عند موضوع تطور مجموعات الأعيان اليهود في مغرب القرن التاسع عشر، فبين أن المدارس الجديدة التابعة للرابطة الإسرائيلية أدت إلى بروز نخب جديدة ذات أصول شعبية، وهي متشبعة ببعض القيم الفرنسية الأساسية، وتتطلع إلى أفق الاندماج الذي سنته فرنسا بالمستعمرة الجزائرية، وتتبنى مواقف جديدة تجاه الدولة المخزنية والمحيط المسلم، بل وتهدد مواقع الأعيان التقليديين داخل الوسط اليهودي. لكن إقرار نظام الحماية سوف يضع حدا لهذا التطور، بناء على سياسة المقيم العام ليوطي التي كانت تقتضي الحفاظ على الأشكال التقليدية للتراتب داخل المجتمع المغربي. أما إيفون سماما Yvonne Samama فقد تناولت ظاهرة القائد التهامي الكلاوي الذي برزت عائلته خلال القرن التاسع عشر بفضل الأهمية الاستراتيجية لفج تلوات، أحد أهم المعابر التي تيسر اجتياز سلسلة الأطلس الكبير والانتقال من سهل الحوز إلى منطقتي سوس ودرعة في الجنوب. ثم عرف التهامي الكلاوي مسارا خاصا، من قائد قبيلة كلاوة إلى باشا مدينة مراكش، ثم إلى شخصية سياسية موالية للسلطة الفرنسية التي اعتمدت عليها لمنافسة العائلة العلوية الحاكمة في مرحلة اشتداد التوتر بين السلطان محمد بن يوسف والإقامة العامة في بداية خمسينيات القرن العشرين.
وفي الفصل المخصص لمرحلة الاستعمار وما بعده، يقدم أحمد خواجة بروز عائلة من المقاولين الصناعيين بمدينة بومرداس في منطقة الساحل التونسية ابتداء من سبعينيات القرن العشرين، وهي حالة تعبر عن نوعية التحولات التي تعيشها المدن التونسية الصغرى في سياق فسح مجال المبادرة الاقتصادية لفائدة القطاع الخاص. وفيما يخص مناقشة إشكالية التمفصُل بين الكيانات المحلية والنسق السياسي المركزي، لفتت انتباهنا دراستان تهمان تونس والمغرب.
بدأ أوليفييه فينيرول Olivier Feneyrolبحثه بالتساؤل التالي. في سياق تونس ما بعد الاستقلال، حيث تم بناء دولة بيروقراطية ممركزة ترتبط عضويا بحزب يحتكر الحياة السياسية وممارسة الحكم، هل يجوز استعمال مصطلح الأعيان للحديث عن الفئات التي تتولى السلطة في المستوى المحلي؟ إلى أي حد تحتفظ هذه الفئات بالأدوار والمكانة الاعتبارية التي كان يختص بها الأعيان في إطار النسق التقليدي؟ ما هي الموارد والممارسات واستراتيجيات الفاعلين الذين يجسدون الحكم المحلي؟ ومن أجل المساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة، انطلق فينيرول من عينة باب السويقة، أحد الأحياء الشعبية الكبرى بمدينة تونس، وحاول القيام بتصنيف لأشكال إنتاج الأعيان داخل النسق السياسي التونسي المعاصر. وهكذا توصل إلى خطاطة تقوم على خمسة نماذج:
السياسي الوجيه، وهو الذي تعود شهرته إلى المكانة السياسية المكتسبة على المستوى الوطني أكثر مما تعود إلى التجدر داخل المجتمع المحلي.
الناشط- المقاول. فالناشط يتحرك في إطار صراع نفوذ داخل الحزب، ويعمل على تعبئة الأنصار والمتعاطفين من أجل كسب المعارك الانتخابية المحلية. والمقاول يضع استراتيجية متوسطة أو طويلة المدى من أجل بناء موقعه السياسي، وذلك من خلال تعبئة موارد مختلفة وجمع ولاء أفراد يدعمونه من أجل خدمة مصالحهم الخاصة.
المنتمي. ويدل مفهوم الانتماء، في هذا السياق، على علاقة تبعية شخصية أكثر مما يدل على الانتماء للتنظيم السياسي كمؤسسة مجردة.
الوريث، وهو صنف يحيل إلى عملية انتقال المسؤولية السياسية داخل نفس العائلة.
قيم المدينة L’édile. وهو مصطلح تعود مرجعيته إلى عصر الرومان، ويدل على تفاني المناضل المحلي في تدبير وصيانة المرافق الجماعية للمدينة.
وتناول عبد الغني أبو هاني دور تدبير المجال الترابي لدى أعيان تاليوين، وهو مركز حضري صغير يقع على المحور الاستراتيجي تارودانت – ورزازات في سلسلة جبال الأطلس الكبير المغربية. يدعو الباحث إلى إعادة النظر في الأطروحة السائدة في علم الاجتماع السياسي المغربي، والقائلة بالتحكم التام للدولة المركزية وممثليها المحليين في النخب المحلية. وعوض ذلك يذهب المؤلف إلى أن شبكة الأعيان لا يمكن إحداثها على شاكلة البنية الإدارية، بل هي تتكون خارج النسق الإداري. فما يميز الأعيان هو أنهم يبرزون من داخل وسطهم الاجتماعي، ويستقطبون عددا من المصالح التي يسعون إلى تمثيلها والتفاوض بشأن الدفاع عنها تجاه الجهاز الإداري. فوظيفة التمثيلية تعني التقاء المصالح، وهي تفترض مسلسل اختمار طويل يتطلب عدة أجيال، وهو ما يجعل من الأعيان ظاهرة عائلية بامتياز. إن هذا الموضوع ما زال يحتفظ براهنية واضحة في المشهد السياسي المغربي، ولاسيما في مجال السلوك الانتخابي، ومن بين أهم تجلياته، ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي من طرف المنتخَبين، وهو ما أصبح يُنعت بترحال المنتخَبين، وما يلفت الانتباه أكثر من ذي قبل، هو أن هذا الترحال لم يعد فقط وسيلة تساعد الأعيان على اختيار الأحزاب القريبة من السلطة والتي تعدهم بامتيازات أكبر، بل إن بعض أحزاب اليسار نفسها أصبحت تخاطب ود الأعيان لكي تتمكن من كسب المواقع في عدد من المناطق القروية بشكل خاص.
وننتهي إلى سؤال أخير. هل استجاب الملف للطموح الذي أعلن عنه عبد الحميد هنية في مقدمة الكتاب؟ أمام عمل جماعي من مثل هذا العيار، تكمن انتظارات القارئ في جانبين أساسيين، وهما تعميق مفهوم الأعيان، وتعميق المقارنة بين مجتمعات المغرب الكبير. ففيما يخص الجانب الأول، سادت في الكتاب الدراسات المونوغرافية التي تهتم بالأشخاص والعائلات، وربما كان من المفيد أن تستحضر الموضوع من خلال مستوى أوسط يتجاوز الفرد أو العائلة، ويحلل العلاقات بين مختلف مكونات مجتمع الأعيان، حيث أهمية عنصر التجار، وحتى عائلات الشرفاء في عدد من المجتمعات المحلية. ثم هل يكمن الموقف المنهجي الأكثر إجرائية في اختيار التوطين الزمني لمفهومي الأعيان والنخبة ؟ هل نختار نقل مفهوم الأعيان إلى ما بعد المرحلة التقليدية، أم نقبل استعمال مفهوم النخبة إلى ما قبل مرحلة التحديث الاجتماعي الذي بدأ مع قيام السلطة الاستعمارية؟ بيد أن مفتاح فهم المجتمعات المغاربية المعاصرة يكمن في فهم آليات التقاطع بين أنماط التراتب التقليدية والحديثة. ففي المغرب مثلا عملت السلطة الاستعمارية الفرنسية على توظيف الأعيان، وفي بداية مرحلة الاستقلال، أعادت الدولة أعيان البوادي إلى نفوذهم من أجل قطع الطريق على النخب السياسية الجديدة التي أفرزتها الحركة الوطنية.
ويعود سؤال بإلحاح: كيف نعرف بظاهرة الأعيان la notabilité خارج نطاق استعمال المصطلح داخل المجتمعات المعنية؟ يقترح أوليفييه فينيرول السالف الذكر العناصر التالية، وهي "ممارسة النفوذ في الشأن العام لمجموعة معينة انطلاقا من موقع اجتماعي وموارد مختلفة تضمن الشهرة الفردية والانغراس الترابي، L’ancrage territorial"، ومعناه الانتماء إلى "مجال مهيكل ومحدد وفق مجموعة من الأعراف القانونية والاجتماعية-المجالية". وهذا الانغراس الترابي هو الذي يؤهل الأعيان لتمثيل المجموعة والتفاوض مع الحكم المركزي.
وفيما يخص إمكانيات المقارنة بين مجتمعات المغرب الكبير، لا يخلو الكتاب من بعض التفاوت. هناك دراسة واحدة تخص الجزائر، وهي من إنجاز محمد إبراهيم الصالحي الذي تناول الاحتجاجات ذات الطبيعة الهوياتية والسياسية في الجزائر خلال النصف الثاني من القرن العشرين من زاوية عودة القوى المحلية، وطبيعة النخب والكيانات التي احتضنت اختمار عدد من الحركات، ومن بينها الحركة الأمازيغية بمنطقة القبايل.
ويحضر التاريخ الليبي في دراستين. سلطت نورة اللافي الضوء على مجتمع طرابلس الغرب في أواخر القرن الثامن عشر من خلال واقعة العريضة التي أمضاها أعيان الحاضرة في سنة 1872 ضد شيخ البلد علي بن الحاج محمد القرقني. وتناول الباحث السوسيولوجي مولدي الأحمر مسألة العلاقة بين الولاء والمجال الترابي بليبيا خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، انطلاقا من تطور منطقتي الجبل والقبلة في سياق امتداد سيادة الاستعمار الإيطالي.
تشكل المساهمات المخصصة لتونس نصف مجموع مواد الكتاب الذي نحن بصدده، وهذا أمر قد يعود إلى درجة استجابة الباحثين لهذا المشروع العلمي الموسع. لكن ما يلفت الانتباه أكثر، هو أنه حين نستحضر الفرضيات التي اقترحها عبد الحميد هنية في الدراسة التقديمية، والإحالات البيبليوغرافية المنهجية التي تتخلل الكتاب، ولاسيما الملفات التي تناولت مسألة الأعيان وسوسيولوجية النخب في بعض المجلات المتخصصة، فإننا نخلص إلى أن هناك تراكما ملحوظا تم إنجازه بفضل أعمال باحثين تونسيين أو فرنسيين احتكوا بالميدان التونسي. وإذا ما تأملنا في تجربة البحث المغربي على سبيل المقارنة، فإننا نلاحظ أن موضوع الأعيان ما زال يقف عند حدود رسم الملامح العامة للتراتب الاجتماعي في بوادي القرن التاسع عشر على الخصوص، وأن التاريخ الاجتماعي للمدن ما زال يراوح في مرحلة الاستكشاف والمبادرات المتفرقة، ولم يلم البحث بعد بتشخيص ظاهرة الأعيان في تنويعاتها وتطورها ومعجمها. وبالتالي فإن هذا الكتاب يستدعي المقارنة التي يمكن إنجازها في أعمال جماعية لاحقة، ومن شأنه أن يساهم بشكل فعال في تطوير الحوار في مجال العلوم الإنسانية بين مختلف مكونات المغرب الكبير.
قراءات تكميلية:
التوفيق أ، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850- 1912)، ط. 2، الرباط، 1983، الفصول 11، 12، 16.
السبتي (ع.)، مادة "أعيان"، معلمة المغرب، مجلد 2، ص. 525- 529.
السبتي (ع.) ، النفوذ وصراعاته في مجتمع فاس، الدار البيضاء، 2007.
الفاسي (ع.)، مدينة الرباط وأعيانها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الرباط، 1996.
B’chir (B.), «Réflexion sur le concept d’élite chez le sociologue arabe», Revue tunisienne des sciences sociales, n° 53, 1978, pp. 41-58.
Ben Achour (M. el-A.), Catégories de la société tunisoise dans la deuxième moitié du 19e siècle, Tunis, 1989.
Brown (K. L.), Les Gens de Salé : les Slawis: traditions et changements de 1830 à 1930, Casablanca, 2001.
Les Cahiers de la Méditerranée, Bourgeois et notables dans le monde arabe (19e et 20e siècles), n° 45, déc. 1992
Les Cahiers de la Méditerranée, Bourgeois et notables en Méditerranée, n° 46-47, juin-déc. 1993.
Centre d’Etudes et de Recherches Economiques et Sociales, Elites et pouvoir dans le monde arabe pendant la période moderne et contemporaine, Tunis, 1992.
CRESM, Les classes moyennes au Maghreb, Paris, 1980.
El Moudden (A.), « Pouvoir caïdal et Makhzen au Maroc à la fin du 19e siècle : le cas de l’Inawen », Bulletin Economique et social du Maroc, n° 159-161, 1987, pp. 141-153.
Ferchiou (S), dir., Hasab wa nasab. Alliance et patrimoine en Tunisie, Paris, 1992.
Hénia (A.), “Le pouvoir entre notables et élites: le cycle de la notabilité », Monde arabe, Maghreb-Machrek, spécial « Tunisie », n0 157, juil.-sept. 1997, pp. 90-100.