 |
الكتاب الذي صدر سنة 2007، عبارة عن استجوابات مطولة تصل أحيانا إلى الخمسين صفحة مع المستجوَب الواحد أجراها خلال سنتي 2001 و2003 أستاذان جامعيان هما جيراردو مانك(Gerardo L. Munck) وريتشارد سنايدر (Richard Snyder) مع 15 من أبرز المتخصصين في السياسة المقارنة، والذين تعتُمد مؤلفاتهم بشكل واسع ومكثف في مقررات الدراسات العليا على صعيد الجامعات الأمريكية، ويعدون الأكثر تأثيرا في هذا الحقل المعرفي. ومن بين الأسماء التي تشملها هذه اللائحة: روبيرت دال (Robert A. Dahl)، وصامويل هانتغتون(Samuel P. Huntington) ، وأرند ليجفارت (Arend Lijphart، وخوان لينز (Juan J. Linz) ، وبارنغتون مور (Barrington Moore, Jr.)، وغييرمو أودانلد (Guillermo O’Donnell) ، وآدم برجوارسكي (Adam Przeworski) ، وفيليب شميتر (Philippe C. Schmitter) ، وثيدا سكوشبول (Theda Skocpol) ، وألفريد ستيبان (Alphred Stepan) . تراوحت أعمار المستوَجبين وقت استجوابهم ما بين 91 سنة بالنسبة لكابرييل آلموند، إلى 55 سنة عمر ثيدا سكوشبول، أصغرهم سنا. يلتقي هؤلاء في كونهم نشروا دراسات عديدة ومطولة في أهم دور النشر الأمريكية، وتُتَداول مؤلفاتهم عبر أنحاء العالم، وأنهم درَسوا في أكبر الجامعات التي كان لشُعبها الدور الأبرز في تحديد الاتجاهات النظرية والمنهجية في مجال السياسة المقارنة، وفي إفراز الإشكالات الكبرى التي أصبحت تكوِّن محتوى هذا التخصص. وبرزت من خلال هذه العينة المؤثرة أن الجامعات التي لعبت الدور الريادي في هذه المجالات منذ الخمسينات هي شيكاغو، يال، هارفارد، وكولومبيا. بعض هؤلاء درَسوا بداية في جامعات غير أمريكية قبل أن يلتحقوا بالولايات المتحدة. برجوارسكي بدأ في جامعة وارسو ببولونيا، وأودالند في جامعة بوينوس أيريس بأرجنتينا، ولينز في جامعة مدريد بإسبانيا. وباستثناء سكوشبول، التي اشتهرت في بداية الثمانيات بدراستها عن الثورات، فإن هذا المجال يبقى رجوليا بامتياز.
طرح كل استجواب نفس الأسئلة والتي همت تكوين المستجوَب، وأهمّ أعماله وأفكاره، وأدوات البحث التي وظّفها، ومعاونيه ومساعديه وطلبته، ثم رأيه في ماضي ومستقبل السياسة المقارنة. وشملت بيبليوغرافيا الكتاب لائحة طويلة يمكن اعتمادها كمرجع لأهم ما كُتب في هذا الحقل في الولايات المتحدة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. نكتشف في هذه القائمة الهيمنة شبه المطلقة للمؤلفات الأنجلوساكسوينة، بالخصوص الأمريكية، بحيث لا يبرز فيها من أسماء الفرنسيين مثلا إلا عدد قليل ومن خلال نصوص محدودة مترجمة إلى الانجليزية مثل موريس دوفرجيه، دوركايم، ألتوسير ودوتوكفيل، ومن الإيطاليين كرامشي وباريطو ومن الألمان ماركس وفيبير. وبالرغم من التأثير القوي لهذين المفكرين الذي يظهر في حديث المستوَجبين عن أطروحاتهم النظرية، فإن هذا الكتاب يوثق لعملية أمْرَكة فعلية للعلوم السياسية عن طريق طرح إشكالات نظرية غير مسبوقة، أو تجاوز الأطروحات التي ظلت سائدة في الفكر السياسي الأوربي، أو تطويرها في جامعات أمريكا، واعتماد مناهج البحث الميداني عن طريق الاستجوابات، وتوظيف الإحصائيات، هذا بالإضافة إلى اهتمام لدى أقلية من المستجوَبين، مثل بانرنغتون مور وثيدا سكوشبول بالتاريخ.
يبرز من هذه الاستجوابات أن الإشكال الرئيسي الذي شغل البحث في حقل السياسة المقارنة في أمريكا في صفوف جيل المستجوَبين هو التقلبات التي عرفتها الديمقراطية ما بين سقوطها وعودتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عاشتها طيلة هذه الفترة عدد من البلدان في جنوب أوربا، بولونيا، وأمريكا اللاتينية على وجه الخصوص. ارتبط هذا الإشكال النظري بسياق التحولات السياسية التي عاشها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والذي شهد سقوط الشمولية كنظام سياسي، ولكن في نفس الوقت، عرف تعثر الانتشار الواسع للديمقراطية الذي كانت تتوقعه أطروحات التنمية التي سادت بُعيد الحرب. وتعتبر إحدى أهم مساهمات علم السياسة المقارن الأمريكي السبق الذي حققه على المستوى العالمي في أن يخرج علم السياسة من انحصار اهتمامه على أنظمة أوربا الغربية والولايات المتحدة.
ساهم التنوع الجغرافي للأنظمة المدروسة في أن يغني البحث السياسي الذي ظل يقتصر منذ الثلاثينات على نوعين فقط من الأنظمة: الديمقراطية والشمولية. وعلى عكس الجدل الذي عرفته أوربا الغربية حول مدى اعتبار الشيوعية نظاما شموليا أم لا، والذي كان يعني من الناحية العملية اعتبار كل من الشيوعية والنازية صنفا واحدا من الأنظمة السياسية، فإن أمريكا لم تعش هذا الجدل، حيث لم تشهد اتجاها فكريا بارزا كما كان الشأن في صفوف المفكرين الأوربيين، يعرّف الشيوعية كنظام ديمقراطي. لكن الدراسات التي بحثت في أنظمة جنوب أوربا قبل منتصف السبعينات وأمريكا اللاتينية قبل الثمانينات اكتشفت حدود مصطلح "النظام الشمولي" في أن يعكس طبيعة الأنظمة الاستبدادية في جنوب أوربا، بالخصوص إسبانيا والبرتغال، أو الأنظمة العسكرية في أمريكا اللاتينية خاصة في كل من البرازيل، أرجنتينا، البيرو، والشيلي. هذه الحالات أظهرت ضعف الفكر السياسي على المستوى العالمي في فهم الأنظمة غير الديمقراطية. ومنذ بداية السبعينات، برز مصطلح "السلطوية" authoritarism، باعتباره نظاما سياسيا غير ديمقراطي، لكنه يختلف عن الشمولية في كونه لا يعتمد على تعبئة جماهيرية، ولا على حزب واحد قوي، ولا على إطار إيديولوجي صارم. طرح هذا المصطلح بداية خوان لينز الذي درس نظام فرانكو في اسبانيا في مقال نشره سنة 1964، كما ساهم في بلورة هذا المصطلح وفي تحليل هذا النوع من النظام السياسي الذي سمي أيضا ب"السلطوية الجديدة،" أو "السلطوية البيروقراطية"، كل من أودالند في دراساته عن الأرجنتين، ألفريد ستبان عن البرازيل، وشمتر عن جنوب أوربا.
تتمثل أهمية مفهوم السلطوية في أنه سمح بتحليل الخصائص السياسية لهذا النظام، والأدوات التي تمكن نظاما سلطويا من تحقيق الاستقرار السياسي، وأيضا من تحقيق التنمية الاقتصادية. ساهمت هذه الخصائص في انتقاد الأطروحات النظرية التي كانت سائدة في الفكر السياسي الأوربي منذ بداية القرن العشرين حول التنمية الاقتصادية أو توسع الرأسمالية، وحول التغيير السياسي، والتي كانت الماركسية واللينينية تشكل منابعها النظرية الأصلية. أبرزت دراسات السلطوية أن النخب الممثلة للجيش والصناعة والإدارة وتحالفاتها، وليس الصراع الطبقي بين العمال والرأسماليين، هي التي تلعب الدور الحاسم في تحديد الخيارات السياسية. كما أن التبعية الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى التخلف، بل إن السلطوية حققت نموا اقتصاديا كانت البرازيل تعتبر نموذجها الأبرز.
شكلت هذه النقاشات حول طبيعة السلطوية والتنمية التابعة والتي ارتبطت بفترة ما قبل الانتقال الديمقراطي في كل من جنوب أوربا وأمريكا اللاتينية المحاور الرئيسية للمرحلة الأولى لهذه الكتابات. في المرحلة الثانية طغى موضوع الانتقال والدمقرطة والذي كان رواده كل من أودالند، شمتر وبرجوارسكي. تأكدت أهمية مصطلح السلطوية في هذه المرحلة الثانية عندما عرفت الأنظمة السلطوية موجة الانتقال إلى الديمقراطية والتي ابتدأت في جنوب أوربا، وشملت تدريجيا بلدان أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية. على عكس الشمولية النازية، فإن هذا الانتقال تم من الداخل، وبدون مواجهات عنيفة بين الحكام والمحكومين، بل إن النخبة الحاكمة ساهمت في هذا الانتقال، أي أنها وبخلاف النازيين، كانت قابلة لتتغير.
يظهر من كتاب مانك وسنايدر أن المساهمة الأكبر للسياسة المقارنة منذ السبعينات همت موضوع انتقال الأنظمة السلطوية إلى الديمقراطية بشكل سلمي، وهو ما يميز هذه الفترة عن البحث السياسي في فترة ما بين الحربين الذي انشغل بسقوط الديمقراطية وصعود الشمولية الذي جربته ألمانيا بداية بعد سقوط جمهورية الفايمر. يظهر أيضا أنه بالرغم من تنوع المقتربات لموضوع التغيير السياسي في هذه الفترة فإن الاتجاه الذي ظهر بشكل متميز هو اتجاه "الانتقال" transition مقابل اتجاهين آخرين هما اتجاه التنمية السياسية واتجاه التغيير البنيوى الذي يعد بارنغتون مور رائده الأبرز، والذي كان من ضمن المستجوبين. تبنت نظرية التنمية والذي كرر المستجوَبون اسم سايمور مارتن ليبسيت (Seymour Martin Lipset)كمرجع أساسي لها، فكرة أن النمو الاقتصادي الرأسمالي والمتمثل في توسع اقتصاد السوق، وارتفاع معدلات الدخل والتمدين والتعليم، يؤدي بشكل حتمي، أو شبه حتمي إلى التنمية السياسية، أو بالمصطلح المتداول حاليا الديمقراطية. على عكس أطروحة ليبست، التي كان يمثلها ضمن المستجوبين غابرييل ألموند، خلص بارنغتون مور في دراسته للتحولات السياسية التي عرفتها خمس دول (فرنسا، الولايات المتحدة، الصين، اليابان، والهند) أن الثورة العنيفة التي تطيح بالنخب الفلاحية كانت شرطا ضروريا لبروز الديمقراطية، وأن هذه الأخيرة ليست نتاج التطور الميكانيكي والتدريجي والسلمي لوظائف النظام السياسي. انتقد اتجاهُ أطروحة الانتقال كلتا الأطروحتين السابقتين، الأولى (التنمية) في كونها فشلت في أن تفسر أسباب غياب الديمقراطية في عدد من الحالات بالرغم من التطور السوسيو-اقتصادي، والثانية (بنيوية مور) في كون أن الثورات العنيفة لا تحدث إلا نادرا، وفي أن الديمقراطية ظهرت في عدد من الحالات بدون الحاجة إلى الثورات العنيفة التي وثقها مور. وبدل ما اعتبر مقتربا حتميا لا تؤكده التجارب الديمقراطية التي عرفها العالم منذ منتصف التسعينات، تخلت أطروحات الانتقال عن التحليل المؤسساتي وركزت على الفاعلين وخياراتهم كمقتربات بديلة لتفسير التنوع الذي عرفته مسارات الأنظمة السياسية، ولتتجاوز ما اعتبر في السابق شروطا بنيوية تعرقل التغيير السياسي أو تسمح به، وتلغي دور الفاعلين كعوامل محددة لهذه التحولات.
مركزية الفاعلين عوض البنيات، المادية منها والثقافية، رددها عدد من المستجوَبين، ودافعوا عنها وعن "الخيار العقلاني" كمقترب بديل لتجاوز "البنيوية-الوظيفية" ومُنظِّرها الرئيسي تالكوت بارسون الذي هيمن على التنظير في حقل السياسة منذ الستينات. برز برجوارسكي كأقوى المتبنين لهذا المقترب، وعرّف في إجابته بالسياق الفكري لمساره، والذي بدأه من بولونيا كمفكر ماركسي. وقاده تدريجيا إلى الخيار العقلاني عجزُ الماركسية على الإجابة على السؤال "لماذا لا تحدث الثورة في الغرب، ولماذا لا يُتوقع أن تحدث مستقبلا؟"
نظرا لأن الحوارات شملت عددا من الباحثين الذي اشتغلوا على "الانتقال"، واشتركوا في لقاءات ومؤلفات جماعية حول الموضوع، فإن كتاب مانك وسنايدر يعد وثيقة غنية في فهم المسارات الأكاديمية والنظرية التي قادت إلى أن يحتل هؤلاء مركز الصدارة في هذا الحقل، وإلى أن يتحول موضوع الانتقال إلى أحد المحاور الكبرى في السياسة المقارنة. تشمل قائمة هؤلاء المجموعة التي ساهمت في المؤلف ذي الخمسة أجزاء نشرت في منتصف الثمانينات بعنوان الانتقال من الحكم السلطوي Transition from Authoritarian Rule، وهم فيليب شمتر، غييرمو أودالند،آدم برجوارسكي، و ألفريد ستيبان، أو الذين ناقشوا الانتقال من خارج هذه المجموعة مثل صامويل هانتغتون وبشكل خاص دافيد كوليي الذي نشر كتابا جماعيا سنة 1979 بعنوان السلطوية الجديدة في أمريكا اللاتينية The New Authoritarianism in Latin America خصصه لمناقشة أطروحة أودالند ومجموعته.
تمكنت كتابات هذه المجموعة من خلال تركيزها على دور الفاعلين وخياراتهم التي تنبني على الحسابات العقلانية المتنوعة والغير محددة سلفا بالحتميات البنيوية من أن تساير التحولات المفاجئة التي عرفتها الحياة السياسية منذ أواسط السبعينات والتي كانت أكبر معالمها السقوط المتتالي للأنظمة السلطوية. ومع توسع هذه الظاهرة، أو ما سماه هانتغتون الموجة، والتي نمت من حالات محدودة بدأت في البرتغال واسبانيا واليونان، لكي تشمل كل بلدان أمريكا اللاتينية وشرق أوربا، توفرت للباحثين معطيات سمحت بتجريب مناهج متنوعة وبتدقيق الأطروحات النظرية، وبالتالي إلى اختلاف مقارباتهم. أبرزت الحوارات هذا التنوع، ما بين برجوارسكي الذي يركز على توظيف الإحصائيات، وأودالند الذي ينتقد المبالغة في استعمال الخيار العقلاني لدى هذا الأخير ويدعو إلى عدم إهمال السياقات البنيوية لخيارات الفاعلين، وشمتر الذي طمح إلى تأسيس علم الانتقال قابل للتعميم عبر العالم، على عكس أودالند الذي ظل يصر على حصر تجاربه على أمريكا اللاتينية، وعلى الأرجنتين بالخصوص.
أثارت أطروحات الانتقال والاختيار العقلاني ردود فعل مختلفة سواء من قلب السياسة المقارنة أو من صفوف المشتغلين بالسياسة. كابرييل آلموند، سعى إلى إدماج الاختيار العقلاني في البنيوية-الوظيفية، ولم يعره بارنغتون مور أهمية تذكر وظل متشبثا بالتاريخ المقارن، واعتبر روبرت دال أن الخيار العقلاني غير قادر على تفسير التطور التاريخي. على المستوى الإيديولوجي تعرض منظِّرو الانتقال لانتقادات كانت عنيفة أحيانا من طرف شرائح من اليسار الراديكالي الذين رفضوا التمييز بين الشمولية والسلطوية، واعتبروا أن طرح هذا المصطلح الأخير يعبر عن مهادنة سياسية مع الأنظمة الاستبدادية، كما انتقدوا أطروحات الانتقال بكونها إصلاحية وتضفي مشروعية سياسية على الأنظمة العسكرية. وتظهر الاستجوابات تنوعا في المواقف الإيديولوجية لمتبني الانتقال. هناك من تعامل مع الأنظمة السلطوية باعتبارها أنظمة شبه عادية، عندما حللها شمتير من خلال مفهوم الحِرَفِية corporatism، وجدها في البرازيل والبرتغال خلال المرحلة العسكرية، وأيضا في سويسرا، والنمسا، والسويد. في كل هذه الحالات، ارتكزت الأنظمة السياسية على تمثيلية للمصالح الحِرَفِية، وعلى حصول هذه الفئات المنظمة بتشجيع من طرف الدولة، على فوائد حقيقية، وتمكنت التنظيمات الحرفية بالتالي من أن تمثل المجتمع بشكل أكثر فعالية من الأحزاب السياسية، وبغض النظر عن كون التقسيمات السائدة تصنفها كأنظمة عسكرية أو ديمقراطية. أودالند ركز في استجوابه على تشبثه بمعارضة الأنظمة السلطوية وبالبحث في كيفية الانتقال إلى الديمقراطية. برجوارسكي انتقد الطابع المثالي السائد في مقاربة الديمقراطية، وأكد أن أبحاثه لا تثبت علاقة سببية تذكر بين الديمقراطية والتنمية، ولا بين الديمقراطية والمساواة، ولا بين الديمقراطية والعقلانية، ولا بينها وبين المساءلة إلا نادرا. وحصر بالتالي أهمية الديمقراطية في كونها تحقق السلم. وكرّر في استجوابه بأن "الديمقراطية هي النظام السياسي الذي يمنعنا من أن نقتل بعضنا البعض، وهذا يكفي" كسبب لدعم الخيار الديمقراطي.
لا شك أن المتتبعين لكتابات السياسة المقارنة سيجدون في هذه القراءة الملخصة لكتاب مونك وسنايدر، أو حتى عند الاضطلاع على النص الكامل للكتاب الذي يصل إلى 773 صفحة، أن الأفكار المعروضة لا تتميز بجدتها، بل هي متداولة بشكل واسع في الكتب والمقالات الغزيرة حول هذه المواضيع. أهمية الكتاب مع ذلك تكمن في أنها تقدم هذه الأفكار من طرف منتجيها بشكل مباشر، ومبسط، وفي نفس الوقت من خلال دفع المعنيين بالأمر إلى أن يبدوا آراءهم حول منتقديهم، وإلى أن يقيموا بأنفسهم مساهمتهم الفكرية، ومساهمات زملائهم ومنافسيهم في هذه المجالات. لكن أهم مساهمة للكتاب حسب رأيي هي أنها تحول ميدان السياسة المقارن من موضوع فكري محض تتنافس فيه الأطروحات النظرية والخيارات المنهجية، أدواتها الرئيسية الصرامة الفكرية وتغليب الموضوعية والحياد الإيديولوجي، إلى عالم يؤثثه رجال، وعدد قليل جدا من النساء، ساهمت سياقات متنوعة في ما أنتجوه من أفكار وما وظفوه من أدوات البحث. وكان الحيز الواسع الذي خصصته الحوارات للأجواء الفكرية السياسية السائدة في الجامعات التي درس فيها المستجوَبون أو درسوا فيها، ولذكرياتهم عن علاقاتهم مع أساتذتهم وطلبتهم، عبارة عن توثيق شفوي لتاريخ السياسة المقارن، وسوسيولوجيا لهذا التخصص المعرفي، وسير ذاتية حية لرواده.