بحث في الموقع : رباط الكتب
مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه  
ورشات الكتابة (عدد مزدوج 7-8)
طبع المقال
الخطاب الجنسي في موسم الهجرة إلى الشمال بين الفحولة و الأنوثة
زهيرة رياض
الطيب صالح ، موسم الهجرة إلى الشمال، ضمن الآثار الكاملة، دار العودة، بيروت، ط. 2، 1972

تتميز رواية الكاتب السوداني الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال بأهمية خاصة، لكونها من أولى الروايات العربية التي خصصت حيزاً واسعاً من المتن الروائي لمناقشة إحدى الطابوهات الفكرية العربية الإسلامية؛ طابو الجنس. ولم تكتف بمناقشة الخطاب الجنسي في سياق الثقافة العربية الإسلامية على غرار بعض المتون الروائية الأخرى، مثل السراب لنجيب محفوظ، بل انتقلت به إلى ضفاف الفكر الغربي على غرار تجربة سهيل إدريس في الحي اللاتيني. وبذلك يكون الطيب صالح قد طرح الإشكالية بمرتكزاتها الأساسية، حيث مَحْوَر الخطاب ضمن تقاطع الحضارتين العربية الإسلامية و الفكر الفلسفي الغربي .

مصطفى سعيد بطل الرواية هو رمز هذا التقاطع الناري بين الحضارتين، يعاني من غياب الأب (هذا يذكر بحكاية السندباد في ألف ليلة وليلة) الذي يرحل في اتجاه الغرب بحثاً عن ملاذ، ومن غياب الأم "ذات القناع"، فيضطر إلى البحث عنها في نساء أخريات كمسز روبنسن أو غيرها.

تتناول الرواية إشكالية تتضمن معادلة مستحيلة بين فحولة مضخمة من جهة، و أنوثة إخصاء واستبداد من جهة أخرى. توظف تقنية السرد عند الطيب صالح تقنية الحكاية والرحلة؛ الراوي لا يعايش الحدث أو يصنعه، بل يتلقاه كحكاية يرويها كما تفعل شهر زاد. تبدأ الحكاية برحلة مصطفى سعيد على طريقة السندباد نحو بلاد الثلج والضباب، ولكنها رحلة الضياع والأكاذيب، رحلة البحث عن وهم. يرحل مصطفى سعيد باحثاً عن الأنثى المثالية التي تتراءى له ملامحها وتتراقص مثل السراب على نسخة مسز روبنسن وجان موريس الثلجية الباردة، فلم يعثر سوى على قناع الأم، أو صورة الأم العربية المعقدة، المهزوزة، الضعيفة أمام فحولة السيادة الرجولية الطاغية.

والصورة- الوهم أو الأكذوبة التي فتنت مصطفى سعيد وانتهت به إلى الضياع تلخصت في المفهوم الذي نسجه الغرب عن الشرق؛ صورة أعدها الغرب للشرق من أجل استعماره واستهلاكه، صورة متبلة، معطرة بروائح الصندل، مناخات استوائية، شموس قاسية، وآفاق أرجوانية. صورة حاول مصطفى سعيد أن يوظفها ليغزو بها الغرب، فاكتشف في نهاية المطاف أن الغرب استعبده بهذه الصورة واستهلكه، إذ يمكن القول إن مصطفى سعيد كان واهماً عندما اعتقد أنه الغازي من خلال العلاقات المتعددة التي نسجها مع نساء غربيات. لم يكن في الحقيقة ذاتاً في العلاقة الجنسية، بل موضوعاً لاستيهامات نساء تعانين من فراغ روحي، أو ملل في علاقة الزواج البورجوازية، فانتهى به المطاف لعبة في يد جان موريس؛ لعبة انتهت بالقتل ثم المحاكمة .

إن المقارنة بين الجريمتين الجنسيتين (مصطفى سعيد حين يغرس خنجراً بين نهدي جان موريس الباردة التي لطالما عذبته بأنونثها الطاغية المتمنعة، وحسنة بنت محمود التي لم تر إلا الموت كخلاص من فحولة ولد الرايس الفجة والمتعنتة)، هذه المقارنة تظهر أوجه الخلل في علاقة غير متوازنة في كلتا الحالتين . مصطفى سعيد كان أصلاً مهزوماً وهارباً، لأن رحلته في الحقيقة ما هي إلا هروب من جحيم الشرق الحقيقي؛ الشرق في الحقيقة ليس مناخات استوائية، وروائح معطرة ومُتَبَّلَة. الشرق جحيم العبودية والوصايا والاستبداد، هو بؤرة التقاليد والتخلف والانغلاق. الجد رمز للتقاليد، وولد الرايس رمز لفحولة فجة، وتضيع هنا الأنثى كرمز للخصوبة والاستقرار كما ضاعت هناك في بلاد البرودة واللامبالاة. هكذا تتقاطع استعمارية الغرب مع استبدادية الشرق ليشكلا وجهين لعملة واحدة، ضحيتها الحب الجنسي الطبيعي والإنساني .

لا مناص أمام هذه الثنائية الجحيمية من تحرير العقول والنفوس من الأوهام التي تهيكل الثنائية المذكورة .هذه الأوهام التي تضخمت مع عصر الصورة الهوليودية والجنس المعلب وحماقات الغزو التاريخية المتكررة. السؤال المطروح : لماذا لم يقم الراوي بإحراق كتب مصطفى سعيد، خلاصة أكاذيب الغرب وبؤرة أصنامه المعبودة؟ لماذا لم يمتثل السارد لحكم الفلاح الفصيح، زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون،؟ فينضم إلى ولد المحجوب ومشروعه الزراعي، حيث اكتفى ولد محجوب بتعلم القراءة والكتابة والحساب، واستطاع أن يؤسس لجنة المشروع الزراعي، في حين لهث الراوي، على غرار مصطفى سعيد، وراء سراب الثقافة الغربية وأكاذيبها فأصبح دكتوراً متخصصاً في الشعر!.

زهيرة رياض :

باحثة

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

بالرباط/ أكدال


الرد على هذا المقال

الصفحة الرئيسية
تقديم
عدد مزدوج 7-8
حوار
بإيجاز
ورشات الكتابة
مترجمات
قراءات من الأرشيف
قراءات
جوائز
أطروحات
أمهات الكتب
أرشيف
العدد السادس
ملفات  | 
مترجمات  | 
بإيجاز  | 
قراءات  | 
كتاب وحدث  | 
جوائز  | 
الدوريات  | 
العدد الخامس
حوار  | 
دراسات / مقالات  | 
ندوات  | 
أطروحات  | 
صفحات مختارة  | 
قراءات من الأرشيف  | 
العدد الرابع
ملفات بيبليوغرافية  | 
العدد الثالث
العدد الثاني
أخبار الكتاب  | 
العدد الأول
© 2007
Site réalisé par WEBDEV Technologies
Powered by Maroc Host