رواية أبنية الفراغ لمحمد عز الدين التازي هي الرواية التاسعة عشرة في سجله الروائي الطويل والغني. وهي الرواية الأخيرة للمؤلف لحد الآن. وللمؤلف كذلك سجل طويل في مجال القصة القصيرة، وقصص الأطفال، والدراسات النقدية والأدبية، بالإضافة إلى بعض الأعمال المسرحية. وقد حصلت هذه الرواية على جائزة المغرب للكتاب لسنة 2008، في مجال السرديات والمحكيات.
بنيت هذه الرواية على الشخوص التي تمثل حالات بشرية وإنسانية في المجتمع المغربي الراهن؛ مغرب الألفية الثالثة. فتوزع بناء الأحداث فيها على عشرة فصول، كل فصل يحكي حالة شخص بعينه. ابتدأ الفصل الأول فيها بشخصية على مكاوي الصحفي، وانتهى الفصل العاشر به كذلك. وقد أسندت مهمة السرد في البداية إلى علي مكاوي الذي سيكلفه مدير الجريدة التي يشتغل فيها "جريدة التعاقب" بالدار البيضاء ليقوم بتحقيق حول الدعارة في طنجة.
تقوم الرواية على ما يعرف بالحكاية الإطار والحكايات المتضمنة داخلها. يؤطر الحكاية الإطار السارد علي مكاوي الصحفي الذي سيحرك الأحداث انطلاقاً من حدث حريق في حانة بالدار البيضاء، وعرف حقيقة ذلك الحادث، ولم يكشف عن سببه في حينه، وترك ذلك معلقاً، لما كلفه مدير جريدة "التعاقب" التي يشتغل فيها بالسفر إلى طنجة للقيام بتحقيق حول الدعارة في طنجة. وأثناء سفر علي مكاوي بالقطار يفتح السارد علي مكاوي الأحداث ليسرد حكايات صغرى مختلفة تقوم بها شخوص مختلفة لها علاقة متداخلة ومعقدة فيما بينها؛ إما علاقة زواج، أو عمل، أو مصالح، أو علاقات مشبوهة. ومن خلال الصوغ الروائي لهذه العلاقات، ستكشف الرواية عن هواجس تلك الشخوص وتطلعاتها وهمومها وتحولات مساراتها في الحياة.
1- أوضاع الشخوص
تتوزع الرواية على عشرة فصول. يقوم السارد علي مكاوي الصحفي بتوزيع السرد على تلك الفصول التي تحكي حكاية شخصية من شخوصها. وتؤطر هذه الحكايات الحكاية الإطار التي يتحكم فيها علي مكاوي عندما تبتدئ الرواية في الفصل الأول بعرض شخصيته، وتنتهي في الفصل العاشر بما آلت إليه هذه الشخصية. وفي الفصول الثمانية الأخرى يقدم لنا حكايات ثمانية شخوص، هي على التوالي:
شخصية بديعة الزواوي، زوجة علي مكاوي، بينها وبين زوجها علاقة فاترة، متدينة وتعمل في جمعية خيرية. وشخصية إدريس الغازي، المحامي في طنجة؛ يضارب في كل شيء، وله علاقات معقدة مع زوجته، وخليلته، وكاتبته في مكتبه. وشخصية سعاد الدردوري، زوجة المحامي إدريس الغازي، هجرت زوجها في الفراش، وكبرت نوعاً ما، وتراقب سلوك زوجها مع الأخريات. وشخصية سليمة بوشارب، عشيقة المحامي إدريس الغازي التي كان يمنيها بالزواج، وينفق عليها. وشخصية مريم حنتات، كاتبة المحامي إدريس الغازي، ومخبرته بتحركات زوجته، وتطمح في طبع ديوانها الشعري. وشخصية فارس عنتر، صديق عباد الطاوسي، والذي أعطى لفارس عباد مبلغاً كبيراً من المال ليقيم به مشروعاً تجارياً لزوجته رشيدة عنتر. وشخصية رشيدة عنتر، زوجة فارس عنتر، صديق عباد الطاوسي، والتي أصبحت صاحبة المشروع التجاري الذي أقامته وزوجها فارس بأموال الطاوسي. وينجح هذا المشروع في البداية، ثم تتنكر رشيدة لعباد الطاوسي ولأمواله، فيكون مآل مشروعها الحريق، وتصاب بالشلل في النهاية. وشخصية إبراهيم المكحول، ،أحد أصدقاء على مكاوي، وصحافي بدوره. يحكي حكايته مع زوجته، أخت علي مكاوي، التي طلقها، وكيف يعيش حياته. وفي الفصل العاشر والأخير يحكي علي مكاوي لقاءه في طنجة مع بعض أصدقائه، ويخبره إبراهيم المكحول بما وقع لمعظم الشخوص التي تركها تحكي حكايتها بين الفصل الثاني والتاسع، فيخبره بالحريق الذي وقع في طنجة لمشروع رشيدة عنتر وشللها، والاعتقالات التي طالت كلاً من عباد الطاوسي وفارس عنتر، والمصائر المؤلمة التي آلت إليها الشخوص الأخرى. ويرى في الفندق في طنجة حالات شاذة يسجلها، ثم يعقد العزم على الرجوع إلى الدار البيضاء.
مع تعدد الشخوص والحكايات تعددت الأصوات واللغات والعلاقات والممارسات. فكانت الرواية بهذا التركيب فضاء حوارياً غنياً لنماذج بشرية مغربية، يبدو أنها كانت في أوضاع قارة، ثم تحدثت عنها الرواية وهي في مرحلة تحولها وانتقالها من وضعية الرتابة والهدوء والانسجام مع نفسها ووضعها، إلى مرحلة البحث عن وضعية جديدة ومغايرة. كان من سمات تحولها؛ البحث عن تجاوز وضعها المادي والاجتماعي والاعتباري بمختلف الوسائل، وفي الغالب هي وسائل غير مشروعة؛ مثل الطمع والتهريب والحشيش والخداع وما شابه ذلك. فكل التطورات التي حصلت للشخوص لم تكن تحولات طبيعية ومشروعة أو معقولة. ونتج عن تبني هذا الوضع وهذه التطلعات، ظهور سلوك فيه تجاوز للأعراف والقانون والأخلاق والقيم النبيلة. مثل دعارة القاصرات، والشذوذ الجنسي، والسرقة، والإثراء بلا سبب، والتجارة في المخدرات والتهريب، والحشيش، وفساد العلاقات العائلية والاجتماعية.
لو أخذنا نموذج شخصية المحامي، إدريس الغازي، في الفصل الثالث من الرواية، سنجد حكايته، مثل باقي حكايات الشخصيات الأخرى في الرواية، تعبر عن نموذج من التحول الذي تستعرضه الرواية؛ من وضعية طبيعية محكومة بنوع من المعقولية الاجتماعية والمادية، إلى وضعية غير طبيعية في تطورها وتحولها، لأنها منافية لكل ما هو معروف اجتماعياً وقانونياً وأخلاقياً. تتحدث الرواية عن المحامي، إدريس الغازي، عندما تغيرت سمات شخصيته، وأصبح غير مستقر في حياته؛ إذ أصبحت زوجته تهينه، وأصبحت له خليلة يمنيها بالزواج ويصرف عليها. وله كاتبة يستعملها في تتبع أخبار زوجته. ثم ممارساته غير المشروعة في التعامل في أمور غير مشروعة، أبعدته عن مهنته وأهله، وغيرت سلوكه وتعامله مع الناس، وذلك لمدة طويلة. ثم عاد في الأخير إلى حالته الطبيعية الأولى التي كان يؤدي فيها عمله المهني والاجتماعي والإنساني. ولم تكن هذه العودة إلى وضعيته الطبيعية حتى خاض تجربة البحث عن التحول، وتبنى قيم ذلك التحول غير المشروع، وما تبعه من سلوك اجتماعي وأخلاقي ومادي، لا شك أنه قد أدى ثمنه غالياً في مختلف جوانب حياته.
وإذا كانت كل شخصية قد عاشت تجربة مثل هذا التحول الذي لم يؤد بأي منها إلى وضع جديد أحسن من وضعها الأول، فلاشك أن هاجس استعراض مثل هذه التطورات السلبية في المجتمع هو الذي يؤشر إلى اختيار الرواية تقديم نوع من التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي المعاصر في جانب من جوانب تجلياته.
2- اللغة في الرواية
وللكشف عن هذا التحول في تجلياته المختلفة، نجد الرواية قد استندت على لغة مشبعة بالدلالات المختلفة المتمثلة في استعمال لغات متعددة وأصوات متعددة تعبر عن وضعها بلغتها الخاصة. ومن أهم خاصيات تلك اللغة هو تطويع الدارجة المغربية في صيغتها البيضاوية أو الشمالية الطنجاوية بخاصة، مما يعطي للغة الرواية جمالية محلية دالة، لأنها تعبر عن ثقافة شخوصها برمزيتها وبلاغتها وبساطتها أحياناً. وكذا استثمار لغة الصحافة التي ساهمت في واقعية هذه اللغة وتقريب الأساليب اللغوية من مختلف السجلات، ولغة التحقيق التي عززت من واقعية لغة الرواية. وقد ساعد الاستعمال الخاص للدارجة المغربية كذلك على إضفاء واقعية عقلانية على الرواية، لأن هذا الاستعمال يساعد على استحضار مباشر للشخوص والأمكنة والحالات والمواقف والموضوعات وتتبعها بمتعة ويسر.
هي لغة عربية معجونة بلغة مغربية عامية في سرد واقعي يترك لغة الشخص بمختلف تلويناتها الخاصة بها، فلا يخرجها من دلالاتها الواقعية ولا يحملها صيغاً أو بلاغة تخرجها عن نسقها اللفظي أو الاجتماعي، بل هي لغة تحيل مباشرة على دلالتها المحلية والآنية أحياناً، عندما يتعلق الأمر بشخوص بسيطة وعادية أو بتلك التي تقوم بممارسات خاصة مثل التهريب أو الاتجار في المخدرات. وهنا نكون أمام لغة مرموزة مقتضبة وإشارية في معظمها. أما عندما يتعلق الأمر بلغة شخوص ذوي حظ من الثقافة مثل المحامي أو الصحافي فتكون لغتها مختلفة نوعاً ما، وتستعمل سجلاً تمتح، في الغالب، من السجل القانوني أو من السجل الصحافي وسجل التواصل.
كانت اللغة في الرواية تركز على أفعال الشخوص، وتنحو نحو الوصف الدقيق لهواجس النفوس ليكشف عن همومها وأحلامها وتطلعاتها وتدابيرها وتخطيطاتها. وهنا كانت الرواية تلجأ إلى الحوارات الداخلية العميقة، مثلما كان يحصل لزوجة المحامي، أو لكاتبته، أو لعشيقته، لأنها شخوص كانت تعيش لحظات انتظار أو توقعات اجتماعية أو مادية. وقد كشفت الرواية عن خبرة صاحبها في السبر اللغوي للشخوص والمواقف. كما كانت لغة هذه الرواية مشحونة بأنساق وأساليب ومفاهيم وصفات ونعوت وأسماء تدل على التحول والقفز على الأوضاع، مما جعل لغة هذه الرواية تقف بين استعراض وضع الشخصية في وضعها قبل التحول بأفعال وصفات وصيغ تعبيرية تدل على الدلالة السلبية، وبين استعراضها بلغة حالمة تقفز على الأوضاع والأزمنة والإمكانيات؛ ملؤها التفاؤل والحلم، تعيشها خلال سعيها للتحول، حتى تظهر في الأخير لغة أخرى قاتمة تحمل أفعالاً وصفات ودلالات الإحباط.
وعندما نربط هذا الوضع اللغوي بمسار السرد في الرواية، نجده يساير انبناء الرواية القائم في الأصل على أوضاع ثلاثة للشخوص. وضع ما قبل التحول، ووضع التحول، ووضع ما بعد التحول. ولكن الرواية ركزت على وضع التحول أكثر، الذي يكشف عنه تنوع السرد وتحول الأزمنة والأمكنة. وهكذا نجد اللغة المكثفة في بعض الأوضاع يكون فيها السرد متسرعاً يختصر مسار الحكي؛ ويبدو الوصف مكثفاً في عبارات وجمل مقتضبة للتدليل على الوضع الذي تريد التعبير عنه؛ وهو في الغالب وضع التحول السريع، لذلك كانت اللغة هنا نافرة، تنزع إلى التقاط العبارات المبسطة للأشياء والعالم، رغبة في الوصول في اللغة، وبها إلى المبتغى المادي في الواقع. ثم استعمال عبارات الترف والبذخ في أوضاع زائفة، وعبارات النكران والجحود المثير. ولغة الثراء السريع، ولغات المراوغة في أوضاع الممارسات غير المشروعة، مثل التهريب والاتجار في المخدرات والحشيس، والخيانة الاجتماعية.
لقد كشفت لغة هذه الرواية عن حقول دلالية جديدة من خلال وصف الأوضاع والشخوص والأماكن والأزمنة الموحية بالتقلبات السريعة والمضاربات المختلفة، والتحولات السياسية السريعة والثراء السريع الهش.
3- الجنس السردي
رواية أبنية الفراغ تتميز بكونها ترسخ الجنس السردي الروائي وتؤصله. فهي لا تسعى إلى التجريب وتكسير جنس السرد الروائي بحثاً عن تجريب لشكل سردي ما. ربما عرف الروائي مثل هذه الممارسة السردية في بعض رواياته السابقة، كما عرفها مسار الرواية المغربية المعاصرة في العقود الماضية. الرواية هنا تحاول إغناء السرد بوجود حكاية كبرى واضحة، وحكايات صغرى متضمنة في الكبرى محبوكة، يتحكم فيها سارد يوزع السرد بينها بمهارة وإحكام وصنعة روائية تشد إليها القارئ، ويشعر بمتعة السرد والحكي وواقعية التخييل.
لقد لجأت الرواية من حيث تقنية توزيع السرد إلى عالم الصحافة ولغتها، وإلى عرض حيوات الشخوص، لأن هذا الاختيار الفني من شأنه أن يقربنا أكثر إلى عوالم الرواية بواقعية لغة الصحافة وحديث الشخوص عن نفسها. وفي ذلك إيهام فني وجمالي بواقعية شفافة نكاد نرى منها واقعنا المغربي المعاصر في لحظات تشكله وانعطافاته، بل نتوقع مصائره أحياناً. أما تقنية عرض (حيوات) الشخوص، أو بالأحرى أوضاعهم، فقد تمكن السر من الاقتراب أكثر من عالم الشخوص بلغتها وبضمير المتكلم، وبنوع من الصراحة العميقة التي زكتها والرغبة في التحول الذي كان يوزعه بعض النافذين في عالم المال والسياسة والمخدرات والمضاربات غير المشروعة.
لقد كان لهذه التقنية المستعملة في السرد أن قدمت لنا الرواية سرداً محكماً وواقعياً شفافاً يرسخ ويؤصل الجنس الروائي، ولكنه يعمقه ويفتحه أكثر على العوالم الإنسانية الدفينة، ويجعلها تعبر بصورة واضحة ودقيقة وبسيطة عن ذاتها ورغباتها وسلوكها، في عالم يريد التحول السريع على حساب كل شيء.
4- البعد المحلي والإنساني في الرواية
يتجلى البعد المحلي في تركيز الرواية على فضاءات مغربية مدينية، مثل الدار البيضاء، في بعض تخومها، والشمال المغربي، وبخاصة طنجة بعوالمها المتداخلة العميقة والمعقدة. كما ركزت على الزمن المغربي الراهن الذي يتجلى في الأماكن والأسماء والممارسات واللغات، وبنوع من الحرية التي تحاول أن تتحدث عن كل شيء، ربما هي جديدة في طريقة عرضها في المغرب الحالي. استعملت الرواية اللغة الدالة والموحية المستعملة بمختلف لغاتها، بحيث نقلت لنا الرواية اللغة المستعملة لدى الأوساط والشخوص المؤثثة للسرد والحكاية من مستوى التداول العادي البسيط، إلى المستوى الإحالي العميق والغني، مثل اللغة المستعملة في الصحافة المهتمة بالدعارة والممارسات الاجتماعية الوضيعة، والمشبوهة، والرفع منها إلى مستوى يجعلها قابلة للتفكير فيها ومدى سريانها في المجتمع، والسلوك الذي ينتج عنها. ثم إن تسريد اللغة المتداولة وتطويع الدارجة، وفتح مختلف السجلات اللغوية الكامنة في الممارسات الاجتماعية التي عبرت عنها الرواية، كفيل بخلق الوعي بخطورتها، من حيث قوة حضورها في المجتمع وسريانها فيه.
ولهذا البعد المحلي امتداداته في علاقته مع البعد الإنساني. فكل ما قدمته الرواية من أوضاع وممارسات مختلفة وما آلت إليه تلك الممارسات، كانت مرتبطة في عمقها بالممارسات الإنسانية الاجتماعية والمادية والأخلاقية والسياسية والثقافية. ولعل أوضاع الشخوص في الرواية، وما عرفته من تحولات غير طبيعية وغير مشروعة وغير معقولة، وما نتج عنها من سلوك وأخلاق وقيم حطمتها كلها، دليل على المأزق الإنساني العميق الذي تعرفه تلك الشخوص. وهذا المأزق ناتج عن الاختلال الحاصل في المجتمع من حيث الممارسات والسلوك والقيم، وأساساً في الثقافة التي توجه تلك الشخوص في المجتمع المغربي الراهن.
يبدو أن هذه الرواية قد ركزت على أوضاع الشخوص في تحولاته المختلف المحكومة بثقافة بعض النافذين في المجتمع، وما ينتج عنها من خلق تطلعات وطموحات لشخوص قد تتجاوز إمكانيات تلك الشخوص المادية والاجتماعية والثقافية. فيكون تحولها تحولاً غير طبيعي وغير واقعي، لأنه يستعمل وسائل غير مشروعة وغير معقولة. ويظهر سلوك يتبنى قيماً جديدة لا تعير اهتماماً للتطور التاريخي الطبيعي المعقول والمشروع للشخص، وللمجتمع. وقد عبر عن الوضع التحولي في مختلف مخاضه ومصائره، بلغة واقعية شفافة قربت العالم المتخيل الروائي من العالم الواقعي بنوع من الإيهام الفني والجمالي الدال. وقد يكون هذا هو الذي جعل هذه الرواية تتسم بهذه الواقعية الجمالية التي عبرت عن البعد المحلي المغربي الراهن بفنية خاصة، وببعدها الإنساني العميق الذي يغني وعينا بذاتنا، ومجتمعنا وموقعنا فيه.